الآلوسي
57
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
واحدة ، وقد سئل سفيان كم يدعو الإنسان لوالديه في اليوم مرة أو في الشهر أو في السنة ؟ فقال : نرجو أن يجزيه إذا دعا لهما في آخر التشهدات كما أن اللّه تعالى قال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ [ الأحزاب : 56 ] فكانوا يرون التشهد يكفي في الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وكما قال سبحانه : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ [ البقرة : 203 ] ثم يكبرون في أدبار الصلاة ، هذا وقد بالغ عزّ وجل في التوصية بهما من وجوه لا تخفى ولو لم يكن سوى أن شفع الإحسان إليهما بتوحيده سبحانه ونظمهما في سلك القضاء بهما معا لكفى ، وقد روى ابن حبان والحاكم وقال : صحيح على شرط مسلم عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » قال « رضا اللّه تعالى في رضا الوالدين وسخط اللّه تعالى في سخط الوالدين » و صح أن رجلا جاء يستأذن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الجهاد معه فقال : أحي والداك ؟ قال : نعم قال : ففيهما فجاهد ، و جاء أنه عليه الصلاة والسلام قال : « لو علم اللّه تعالى شيئا أدنى من آلاف لنهى عنه فليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة وليعمل البار ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار » . ورأى ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما رجلا يطوف بالكعبة حاملا أمه على رقبته فقال : يا ابن عمر أتراني جزيتها ؟ قال : لا ولا بطلقة واحدة ولكنك أحسنت واللّه تعالى يثيبك على القليل كثيرا . و روى مسلم وغيره « لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه » و روى البيهقي في الدلائل والطبراني في الأوسط والصغير بسند فيه من لا يعرف عن جابر قال : جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه إن أبي أخذ مالي فقال النبي عليه الصلاة والسلام : « فاذهب فأتني بأبيك فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : إن اللّه تعالى يقرئك السلام ويقول : إذا جاءك الشيخ فسله عن شيء قاله في نفسه ما سمعته أذناه فلما جاء الشيخ قال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما بال ابنك يشكوك تريد أن تأخذ ماله ؟ قال : سله يا رسول اللّه هل أنفقته إلا على عماته وخالاته أو على نفسي فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : ايه دعنا من هذا أخبرني عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذناك فقال الشيخ : واللّه يا رسول اللّه ما يزال اللّه تعالى يزيدنا بك يقينا لقد قلت في نفسي شيئا ما سمعته أذناي فقال : قل وأنا أسمع فقال : قلت : غذوتك مولودا ومنتك يافعا * تعل بما أجني عليك وتنهل إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت * لسقمك إلا ساهرا أتملل كأني أنا المطروق دونك بالذي * طرقت به دوني فعيني تهمل تخاف الردى نفسي عليك وإنها * لتعلم أن الموت وقت مؤجل فلما بلغت السن والغاية التي * إليها مدى ما كنت فيها أؤمل جعلت جزائي غلظة وفظاظة * كأنك أنت المنعم المتفضل فليتك إذ لم ترع حق أبوتي * فعلت كما الجار المجاور يفعل تراه معدا للخلاف كأنه * برد على أهل الصواب موكل قال : فحينئذ أخذ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بتلابيب ابنه وقال : « أنت ومالك لأبيك » والأم مقدمة في البر على الأب فقد روى الشيخان يا رسول اللّه من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال : أمك قال : ثم من ؟ قال : أمك قال : ثم من ؟ قال : أبوك » . ولا يختص البر بالحياة بل يكون بعد الموت أيضا ، فقد روى ابن ماجة « يا رسول اللّه هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما ؟ فقال : نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإيفاء عهدهما من بعدهما وصلة الرحم
--> ( 1 ) ورجح الترمذي وقفه اه منه .